من السيد والعبد لـ “مين فينا الديب ومين الخروف؟”
كتب: دنيا الحلال

فيه حاجة غريبة بتحصل للإنسان لما يبقى عايز يحس إنه مهم.. أحيانًا بدل ما يسأل نفسه: “أنا شايف نفسي إزاي؟ وإيه اللي عملته يخلي لوجودي قيمة؟”
ويبص حواليه ويسأل: “الناس شايفاني إزاي؟ “.. وده في حد ذاته مش غريب أوي
إحنا أصلًا كائنات اجتماعية ونظرة الناس لينا إلى حد ما بتفرق.. إحنا محتاجين حد يشوفنا.. يقدّرنا.. يحترمنا ويقول لنا بشكل أو بآخر: “آه، أنا شايفك وشايف إن ليك قيمة”
طب فين المشكلة؟
المشكلة بتبدأ لما قيمة الإنسان عن نفسه تبقى معلقة بشكل زيادة عن اللزوم بعين الشخص اللي قدامه لأنك ساعتها مش بس عايز الناس تشوفك.. إنت عايز تضمن إنهم يشوفوك بالطريقة اللي إنت عايزها
وهنا ممكن يحصل التحول الغريب بدل ما أقول “أنا محتاج اعترافك بيا” أبدأ أفكر “طب إزاي أخليك تعترف بيا غصب عنك؟”
وساعتها الاحتياج للاعتراف ممكن يتحول لمحاولة للسيطرة
أنا مش بس عايزك تشوفني قوي ده أنا عايز أتأكد إنك مش قادر تشوفني غير كده
ولما تفضل عايش بعقلية “محدش يضحك عليا.. محدش يتحكم فيا.. محدش يقلل مني.. محدش يبقى أعلى مني” الدنيا نفسها تبدأ تتشكل في دماغك كأنها ترتيب مستمر للقوة
كل علاقة بقت سؤال: مين أعلى؟ مين بيقود؟ مين بيتنازل؟ مين كلمته بتمشي؟ ومين لو ساب إيده من على الدفة شوية يبقى كده “اتضحك عليه”؟
وساعتها تبتدي تحس إنك عايش في غابة.. وإن قدامك اختيارين بس يا إما تبقى الديب يا إما حد ياكلك.. بس استنى.. مين قال إن الحياة لازم تبقى غابة عبارة عن خرفان وديابة؟ ولو مابقيتش انت الديب هتكون خروف!
ومين قال إن كل علاقة بين اتنين لازم يبقى فيها واحد بس سايق والتاني ماشي وراه عمياني بتفعيل موود لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي؟!
هيجل ومعضلة السيد والخروف.. قصدي السيد والعبد
من حوالي قرنين الفيلسوف الألماني هيجل كان بيتكلم عن حاجة اسمها “السيد والعبد” والاسم لوحده يخليك تحس إننا داخلين على محاضرة فلسفة الساعة 8 الصبح بس استنى
الفكرة ببساطة بتحكي عن سيد والعبد بتاعه.. وإن السيد ده أخضع العبد وبقى هو الطرف الأعلى في العلاقة.. تمام؟ المفروض بقى السيد يحس إنه كسب
بس هيجل يقولك استنى بس.. هو السيد عايز إيه أصلًا؟ عايز العبد يعترف إنه سيد؟ حلو.. بس العبد ده مش حر يعني لو أنا رابطك في الكرسي وقلتلك “قول إني جامد” هتقول إني أجمد واحد شافته عينك.. طب وأنا هصدقك ليه وانت أصلًا مجبور تقولها؟
وهنا المفارقة اللي هيجل شافها.. السيد حصل على الاعتراف اللي كان عايزه.. لكن اعتراف مالوش قيمة.. لأنه جاي من شخص خاضع
لكن هو كان محتاج حد حر يقول له “آه أنا شايفك فعلًا تستحق الاحترام”
لكن إزاي هتسمع الاعتراف ده من شخص قضيت عليه انت بنفسك سلبت منه استقلاله وحريته؟
لو كسرت حد عشان تحس إنك قوي في نظره أو في نظر نفسك حتى فده وهم واحساس مالوش معنى ولا وجود حقيقي.. لإن القوة بتتقاس وانت وسط ناس أقوياء أصلًا مش من الضعفاء ولا قليلي الحيلة
وده بالضبط اللي يخلي فكرة الاعتراف عند هيجل مهمة.. لأن الاعتراف اللي له قيمة لازم ييجي من شخص يقدر يقول لأ.. شخص عنده رأي.. عنده إرادة وعنده اختيار ومع ذلك بيختار إنه يبقى معاك
الفكرة دي لسه عايشة معانا للأسف
فيه راجل ممكن يدخل علاقة وكل تركيزه يبقى مين بيطلب من مين؟ مين كلمته الأخيرة؟ مين بيتنازل؟ مين بيمشي كلامه؟ مين مسيطر؟ مين “سايق” ومين “متساق”؟ وكأننا مش داخلين علاقة عشان نعيش مع بعض إحنا داخلين حلبة مصارعة عمالين نعلي على بعض من غير أي رحمة
والأغرب إن بعض الرجالة ممكن يبقوا مشغولين جدًا بفكرة إنهم مايبقوش خرفان لدرجة إن السؤال نفسه يبقى واخد مساحة أكبر من اللازم في دماغهم
طب ماشي.. أكيد ما تبقاش خروف.. بس إنت عايز تبقى إيه؟ لأن البديل مش لازم يكون ديب
والمشكلة إنك ممكن تفضل طول عمرك بتثبت إنك مش ضعيف.. وده بقى المكان اللي علم النفس دخل فيه على الخط بصندوق الرجولة
إيه هو صندوق الرجولة؟
فيه مفهوم اسمه Man Box أو “صندوق الرجولة” وهو ببساطة مجموعة القواعد اللي المجتمع بيحطها للراجل ويقوله: الراجل ما يعيطش.. الراجل ما يخافش.. الراجل ما يحتاجش.. الراجل لازم يبقى مسيطر.. الراجل لازم يبقى قوي والراجل لازم يستحمل.. واللي يخرج بره الصندوق شوية؟ تتفتح عليه فتوحة من “استرجل يا عم”
المشكلة إن الإنسان لما يتمنع من التعبير عن مشاعر معينة المشاعر دي مش بتاخد شنطتها وتمشي بالعكس بتفضل موجودة بس بتدور على مخرج
والغضب تحديدًا بيبقى من المشاعر اللي مسموح للراجل يعبّر عنها يعني.. الحزن؟ كبر دماغك.. الخوف؟ ما تبقاش خواف.. الاحتياج؟ استرجل.. الوجع؟ عادي يا عم سهلة.. الغضب؟ آه اتفضل.. ده بتاعك ومنطقتك يامعلم العب وكيفنا
فاللي مايعرفش يقول “أنا اتوجعت” هيقول “انت مين عشان تعمل معايا كده؟!” أو لو مش عارف يقول “أنا خايف أخسرك” يقولك “انتي مش هتعملي اللي إنتي عايزاه”.. مش عارف يقول “أنا حاسس إني مش كفاية” فيدور إزاي ممكن يثبت إنه أحسن من كل اللي حواليه
فالمشاعر مابتختفيش إحنا بس غيرنا اسمها.. عشان كده فيه رجالة بتدور في المكان الغلط وبالطريقة الغلط إزاي ممكن تخرجها.. وهنا بقى أصل الحكاية
ممكن الراجل يكون طول الوقت بيسأل إزاي يبقى الأقوى؟
مع إن السؤال الأهم “إزاي أبقى شخص عنده أمان من جواه لدرجة إني مش محتاج استقوى على حد عشان أحس إني مالي مركزي؟”.. وده فرق كبير بين السؤالين
الأول شاغل نفسه بموقعه في الهرم اللي هو أصلًا من صنع مخاوفه اللي في دماغه هو والبيئة اللي زرعتها جواه وبس.. أما التاني شاغل نفسه ببناء نفسه من غير مايبذل كل مجهوده في صراع على بطولة وهمية!
والغريب إن الاستقلال الحقيقي ممكن يخليك أقل احتياج للسيطرة اللي بيسعى ليها صاحب السؤال أصلًا.. لأن الشخص اللي عارف قيمته مش محتاج كل خمس دقايق حد يثبت له إنه مهم
وعلى الأساس ده الست كمان مش المفروض تبقى “أضعف” عشان هو يحس إنه راجل ودي نقطة مهمة جدًا
لو انت محتاج شريكتك تبقى أقل منك في الذكاء.. أو الاستقلال.. أو القوة.. أو النجاح.. عشان تحس إنك راجل.. فللأسف كده انت محتاج تحسبها من جديد لأن في فرق بين أنا جامد في المطلق وبين لازم شريكتي تبقى ضعيفة عشان اعرف أحسن إني جامد!
الفرق بين حد اختارك وحد مضطر يختارك!
تخيل الفرق بين واحدة تكون معاك لأنها مش قادرة تمشي.. وواحدة معاك وهي قادرة تمشي.. لكنها اختارت تفضل
وطبعَا التانية دي مش أضعف لإنها حرة.. وعشان كده احترامها ليك له معنى
طيب والراجل القوي يعمل إيه؟
يمكن السؤال ده أهم من كل اللي فات.. الراجل القوي فعلًا مش هو اللي مفيش حد يقدر عليه ده كلام أطفال شوية.. لإن القوة الحقيقية أعقد من كده
إنك تعرف تبقى مصدر أمان من غير ما تتحول لسجان.. تعرف تحط حدود من غير ما تستخدم التهديد وتعرف تزعل من غير ما تهين.. تعرف تغضب من غير ما تضرب.. تعرف تختلف من غير ما تحاول تكسر اللي قدامك
وتعرف تقول: “أنا محتاج وجودك” من غير ما تحس إنك خسرت رجولتك.. وتعرف تقول “أنا غلطت” من غير ما تحس إن تاج الرجولة وقع منك.. وإنك تسمح لشخص بتحبه يشوف الجزء اللي مش بتعرف تورّيه للناس من غير ماتقول لنفسك مساء الكيكة عليك ياطري!
لأن العلاقة الحقيقية.. فعلًا ماينفعش تلبس فيها الدرع الواقي من المشاعر الإنسانية الطبيعية زي الخوف والارتباك وغيرهم قدام الشخص اللي بتحبه.. العلاقة اللي بجد إنك تبقى آمن كفاية عشان تقلعه
إحنا برضه مش بنقول للراجل تحرر من صلابتك واضعف يعني! بس دي في حد ذاتها نقطة مهمة.. لأن أول ما تتكلم عن المشاعر يطلعلك إنسان أحادي الفكر يقولك “وه! يعني عايزين الرجالة تبقى ضعيفة؟”
لأ يا أحادي.. محدش قال كده بالعكس إحنا بنقول إن فيه فرق بين إنك تكون ضعيف وإنك تكون قادر تعترف بضعفك في إطار محدد.. فرق بين إنك ما تعرفش تدافع عن نفسك وإنك ما تحتاجش تهاجم كل اللي حواليك عشان تثبت إنك قادر تدافع عن نفسك.. فرق بين إنك تتنازل عن كرامتك وإنك تحترم حق إحساس كل واحد بكرامته برضه.. وفارق كبير جدًا بين إنك تكون قوّام وإنك تكون “خروف”
الراجل محتاج يخرج من الغابة
يمكن إحنا ظلمنا الرجولة لما اختصرناها في سؤال مين أقوى؟
لأن الإنسان مش حيوان طول الوقت بيجري في غابة ورا مساحة ومكان وموارد.. إحنا عندنا لغة.. عقل.. قدرة على فهم مشاعرنا.. عندنا علاقات وعندنا حرية اختيار
فيمكن القوة أو الرجولة الحقيقي مش إنك تعرف إزاي تكسب اللعبة.. يمكن القوة إنك تسأل نفسك: هو أنا ليه بلعبها أصلًا؟
لأنك لو محتاج كل اللي حواليك يبقوا أضعف منك عشان تحس إنك قوي.. فانت لسه مربوط بيهم
أما لو قدرت تبقى وسط ناس أقوياء.. أذكياء.. أحرار.. مختلفين عنك وتفضل عارف أنت مين.. ساعتها بس ممكن نتكلم عن القوة
مش القوة اللي بتخلي الناس تخاف منك.. القوة اللي تخليك مش محتاج تخوّف حد عشان تحترم نفسك
وفي الآخر يمكن تكون هي دي النقطة اللي هيجل كان بيحاول يوصل لها من زمان
أصعب حاجة مش إنك تخلي حد تحت منك.. الأصعب إنك تبقى واقف على رجلك من غير ما تحتاج حد يكون تحت أصلًا



