من هافيلانج لإنفانتينو.. هل الفساد خرج من فيفا ولا غير شكله؟

قبل 10 سنين لما جياني إنفانتينو كسب انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” سنة 2016 كان بيقدم نفسه باعتباره الرجل اللي جاي ينقذ المؤسسة بعد أكبر فضيحة فساد في تاريخها.
وقتها احتفل مع الصحفيين في حانة صغيرة بمدينة كارديف وكان بيحاول يظهر بصورة الرئيس القريب من الجميع ووعد بإصلاح فيفا واستعادة ثقة الجماهير وإنه يقضي على الفساد اللي دمر سمعة الاتحاد.
لكن بعد مرور عقد كامل الصورة اختلفت.. إنفانتينو بقى واحد من أقوى الشخصيات الرياضية في العالم وراتبه السنوي وصل لحوالي 6 ملايين دولار وعلاقاته امتدت لرؤساء وملوك وأمراء من مختلف دول العالم زي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
ومع كأس العالم 2026 رجعت الانتقادات تلاحقه من جديد بسبب أسعار التذاكر المرتفعة ونظام التسعير المتغير وعلاقاته السياسية وطريقة إدارة ملفات كتير داخل فيفا لدرجة إن البعض بقى بيسأل هل إنفانتينو أصلح فيفا فعلًا؟ ولا الفساد بس غير
شكله؟
مين هو جياني إنفانتينو؟
إنفانتينو اتولد في سويسرا لعائلة إيطالية مهاجرة وكان دايمًا بيحكي إنه اتعرض للتمييز وهو صغير بسبب أصوله الإيطالية وإنه كان بيشوف لافتات مكتوب عليها: “ممنوع دخول الكلاب والإيطاليين”وبيقول إن التجربة دي كانت سبب في اقتناعه إن كرة القدم لازم تكون وسيلة للتقارب بين الشعوب.
درس القانون في جامعة فريبورج السويسرية واتجوز من سيدة لبنانية وعنده أربعة أولاد وبيتكلم سبع لغات من بينها العربية وكمان بيحمل الجنسيات السويسرية والإيطالية واللبنانية.
لكن مع مرور الوقت أسلوب حياته بقى مختلف تمامًا بقى بيتنقل بطائرات خاصة بين نيويورك وميامي وزيورخ وأحيانًا بيزور أكتر من قارة خلال يوم واحد وهو نفسه اعترف إن حياته بقت مرهقة بسبب السفر المستمر.
الرجل اللي بيعشق أصحاب النفوذ
أكتر حاجة بيهتم بيها إنفانتينو إنه دايمًا بيحب يكون قريب من أصحاب السلطة.. حسابه على إنستجرام مليان صور مع رؤساء دول وأمراء ومشاهير ونجوم كرة قدم وكتير من المنتقدين شايفين إنه بقى بيهتم بصناعة صورته أكتر من اهتمامه بمشاكل اللعبة نفسها.
الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي ميشيل بلاتيني قال عنه جملة لخصت وجهة نظر معارضيه: “كان نائب ممتاز لكنه مش رئيس كويس لأنه بيحب الأغنياء وأصحاب النفوذ.”
حتى قرار نقل مكاتب الفيفا داخل برج ترامب في نيويورك وظهوره المتكرر في البيت الأبيض خلّى الانتقادات تزيد رغم إن فيفا أكدت إن كل الإجراءات تمت بشكل قانوني.
خلال السنوات الأخيرة اللي فاتت وقع إنفانتينو في مواقف كتير أثارت الجدل.. اتصور “سيلفي” في جنازة الأسطورة بيليه وناس كتير اعتبرت التصرف غير مناسب.
وفي مؤتمر فيفا حاول يجبر ممثل الاتحاد الفلسطيني وممثل الاتحاد الإسرائيلي على مصافحة بعض قدام الكاميرات لكن المسؤول الفلسطيني رفض وغادر المسرح ووصف الاتحاد الفلسطيني اللي حصل بأنه “تصرف عبثي”.
كأس العالم 2026.. البطولة اللي هتحكم على إرثه
يمكن أكبر اختبار لإنفانتينو هو كأس العالم 2026.. هو شايف البطولة دي تتويج لمشروعه بعد توسيع عدد المنتخبات إلى 48 منتخب وتحقيق إيرادات قياسية لفيفا لكن بدل ما الحديث يبقى عن كرة القدم بقت أغلب المناقشات حوالين أسعار التذاكر.
فيفا طبقت لأول مرة بشكل واسع نظام “التسعير الديناميكي” يعني سعر التذكرة بيتغير حسب حجم الطلب وده خلى بعض تذاكر المباريات توصل لأسعار خيالية.. في مباراة افتتاح منتخب أمريكا مثلًا وصل سعر بعض التذاكر لأكتر من 1200 دولار بينما تذاكر النهائي في بعض الفئات وصلت لـ 10 آلاف دولار.
وده دفع حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعليق قائلًا إنه مش مستعد يدفع الأرقام دي علشان يحضر مباراة.. مش التذاكر بس اللي كانت الأزمة لكن كمان أسعار الفنادق والمواصلات ومواقف السيارات لدرجة إن جماهير اسكتلندا أعلنت إنها هتستأجر أتوبيسات مدرسية علشان تقلل تكلفة التنقل بين الملاعب.
وفي نيوجيرسي السلطات المحلية اشتكت إن فيفا مش بتساهم في تكلفة النقل أو الخدمات رغم إنها هتحقق مليارات الدولارات
من البطولة.
لكن.. هل فيفا بقت أفضل؟
رغم الانتقادات لازم نعترف إن فيه تغييرات حصلت فعلًا.. فيفا بتقول إنها ضخت أكتر من 5 مليارات دولار في تطوير كرة القدم حول العالم وإن إيراداتها السنوية ارتفعت بشكل غير مسبوق وإن الرقابة المالية بقت أقوى لدرجة إن كل دولار بيتصرف لازم يكون موثق.
أنصار إنفانتينو شايفين إنه نجح في تحويل فيفا لمؤسسة أقوى اقتصاديًا بينما منتقدوه شايفين إنه استبدل فضائح الرشاوى القديمة بنفوذ سياسي وشخصي أكبر.
لكن الحقيقة بدأت قبل إنفانتينو بسنين أي حد بيتابع تاريخ فيفا عارف إن الفساد مش بدأ مع إنفانتينو ولا حتى مع سيب بلاتر.. البداية الحقيقية كانت مع البرازيلي جواو هافيلانج اللي وصل لرئاسة فيفا سنة 1974.
هافيلانج غير شكل إدارة كرة القدم بالكامل وحولها لصناعة بمليارات الدولارات لكنه في نفس الوقت أسس نظام قائم على شراء الولاءات.. كان بيكسب أصوات الاتحادات خصوصًا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية عن طريق الوعود بالدعم المالي والإقامة الفاخرة والهدايا والمساعدات، مقابل ضمان أصواتهم في الانتخابات.
النظام ده خلى الرعاية والإعلانات وحقوق البث تتحول لمصدر نفوذ هائل وفتح الباب أمام شبكة مصالح استمرت لعقود.
لما سيب بلاتر مسك رئاسة فيفا سنة 1998 ورث النظام ده لكنه وسعه أكتر وخلال فترة رئاسته زادت الاتهامات ببيع النفوذ والتلاعب في حقوق البث وشراء الأصوات خصوصًا في سباقات استضافة كأس العالم.
وجت الضربة القاضية سنة 2015.. وزارة العدل الأمريكية بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي كشفت شبكة فساد ضخمة داخل فيفا تضمنت أكتر من 150 مليون دولار رشاوى مرتبطة بحقوق البث والتسويق.
التحقيقات شملت أكثر من 40 مسؤولًا وتنفيذيًا واتهمتهم بقضايا ابتزاز وغسل أموال واحتيال إلكتروني.. الشرطة السويسرية اقتحمت فندق “باور أو لاك” في زيورخ وألقت القبض على عدد من كبار مسؤولي فيفا في واحدة من أشهر لحظات تاريخ الرياضة.
وفي النهاية، تم إيقاف بلاتر ومنعه من ممارسة أي نشاط متعلق بكرة القدم بعد مخالفات مالية وأخلاقية وانتهت واحدة من أطول فترات الحكم في تاريخ الاتحاد الدولي.
الفساد انتهى.. ولا اتطور؟
الفرق بين فيفا زمان وفيفا دلوقتي إن الفضائح بقت أقل لكن الجدل لسه موجود.. زمان كانت الاتهامات بتدور حوالين رشاوى وشراء أصوات وحقائب فلوس..دلوقتي الاتهامات بقت بتدور حوالين تضارب المصالح والعلاقات السياسية وتركيز السلطة في يد شخص واحد وتسليع كرة القدم بشكل مبالغ فيه.
علشان كده السؤال لسه مفتوح.. هل إنفانتينو فعلًا نجح في تنظيف فيفا من الفساد؟ ولا المؤسسة خرجت من عصر الرشاوى ودخلت عصر النفوذ السياسي والاقتصادي؟
الإجابة يمكن تختلف من شخص للتاني لكن المؤكد إن تاريخ فيفا من هافيلانج مرورًا ببلاتر وصولًا لإنفانتينو، بيأكد إن السلطة في كرة القدم كانت دايمًا مرتبطة بالجدل.. وإن أكبر لعبة في العالم هتفضل تحت المجهر مهما اتغيرت الوجوه.



