إزاي الإنسان بيعرف إنه فعلًا عايز حاجة؟

تخيل بعد مافضلت سنين تجري ورا هدف معين تعبت عشانه وضيعت وقت ومجهود ولما قربت توصل فجأة دماغك سوحتك سألت نفسك “هو أنا فعلًا كنت عايز ده؟ ولا كنت عايز الإحساس اللي الناس هتديهولي لما أوصله؟”
السؤال ده بيبان غريب.. لكنه واحد من أكتر الأسئلة اللي الفلسفة وعلم النفس حاولوا يجاوبوا عليها.. لإن الحقيقة إن مش كل رغبة جواك بدأت منك.. وفي فرق كبير بين حاجة اخترتها وحاجة اتعلمت تتمنى إنك تختارها
عشان كده قبل ما تسأل نفسك “أنا عايز إيه؟” يمكن الأول لازم تسأل: الرغبة دي جاتلي منين أصلًا؟ تعالى نحاول نجاوب عليك
المرحلة الأولى: أنت مش بتتولد برغباتك
وانت طفل.. مفيش قائمة أهداف متخزنة جواك
أنت بتبدأ تشوف أهلك بيفرحوا بحاجات معينة والمجتمع بيحترم ناس معينة وأصحابك بيحلموا بحاجات معينة والسوشيال ميديا بتكرر نفس صور النجاح
مخك يبدأ يستنتج إن واضح إن الحاجة دي تستحق إنها تتطلب.. وده اللي رينيه جيرار سماه الرغبة المحاكاتية (Mimetic Desire) إحنا مش بنقلد أفعال الناس بس.. إحنا بنقلد رغباتهم
وأبسط مثال على كده إن لو ماحدش في العالم كله اهتم بنوع العربية اللي نفسك فيها من العربيات.. غالبًا انت عمرك ما كنت هتحلم بيه
المرحلة الثانية: المشكلة مش إن المجتمع أثر عليك
الأبحاث الحديثة كلها تقريبًا متفقة إن استحالة تعيش من غير تأثير المجتمع ومفيش إنسان رغباته نقية 100%.. لأنك اتربيت وسط بشر فالمشكلة مش في إن المجتمع أثر المشكلة هي هل لسه بعد ما كبرت وأدركت التأثير ده تختار نفس الحاجة لأنها بقت تناسبك.. ولا لأنك متخيل إن قيمتك مرتبطة بيها؟
المرحلة الثالثة: هنا بيظهر مفهوم الأصالة (Authenticity)
الأبحاث الحديثة بتقول إن الأصالة مش معناها إني أعمل اللي على مزاجي دي فكرة سطحية.. الأصالة معناها إن يكون فيه انسجام بين 3 حاجات قيمي.. شخصيتي.. وأفعالي
يعني أنا ممكن اتعب جدًا في شغل مرموق لكن كل يوم أحس إني بلعب دور مش دوري.. ساعتها النجاح موجود.. لكن الإحساس بالأصالة مش موجود
المرحلة الرابعة: الرغبات نوعين
علم النفس بيفرق بين نوعين من الأهداف
- أهداف خارجية (Extrinsic) زي الفلوس.. الشهرة.. المكانة وإن الناس تقول عليك ناجح يعني بتعتمد على تقييم الآخرين
- أهداف داخلية (Intrinsic)
زي التعلم.. الإبداع.. العلاقات والاستقلال وخدمة قضية مؤمن بيها ودي بقى مرتبطة بقيمك الشخصية
الأبحاث لقت إن الناس اللي أهدافها من النوع التاني غالبًا بيبقوا أكثر رضا.. أقل احتراق وأكتر استمرارية
ومش لإن أهدافهم أسهل لكن لإن طاقتهم جاية من جواهم
المرحلة الخامسة: هل معنى كده إني أسيب أي هدف المجتمع بيحبه؟
لا وده أكبر سوء فهم عشان لو انت فعلًا بتحب الطب وباباك كان نفسه تبقى دكتور.. ده مايخليش حبك للطب مزيف.. فالسؤال مش مين قالك تحب الحاجة لكن السؤال هو لو شلت صوتهم من دماغك.. هل هتفضل بتحبها؟
المرحلة السادسة: إزاي أعرف؟
الرغبة الأقرب لحقيقتك غالبًا هتفضل موجودة حتى لو محدش شافها.. هتستمتع بطريقك معاها مش بس النتيجة.. هتفضل تعملها حتى لو التصفيق اختفى.. وهتحس إنها بتعبر عنك مش بتثبت نفسك.. أما الرغبات المستعارة فغالبًا بتعتمد على سؤال “هيقولوا عليا إيه لو حققتها؟” ولو اختفى صوتهم بتختفي الرغبة
يمكن عمرنا ما هنوصل لرغبات “نقية” محدش أثر فيها.. لكن ده أصلًا مش المطلوب.. المطلوب إنك كل فترة تبص على اللي بتجري وراه وتسأل نفسك: لو الدنيا كلها بطلت تبصلي.. هل هفضل ماشي في نفس الطريق ؟
لإن ساعات أصعب حاجة مش إنك تحقق حلمك.. أصعب حاجة إنك تكتشف بعد ما حققته إنه ماكانش حلمك من البداية



