محلل الأداء.. فكرة بدأت من زمان وتطورت مع الوقت

تخيل مدرب خلص ماتش وقاعد يحاول يفتكر إيه اللي حصل في الـ90 دقيقة مين غلط؟ الدفاع كان واقف إزاي في الكورنر؟ الجناح ده ضيع كام فرصة؟ الفريق خسر الكرة فين؟ وليه المنافس قدر يوصل للمرمى أكتر من مرة؟
زمان كل ده كان بيعتمد بدرجة كبيرة على العين والذاكرة وعلى ملاحظات المدرب ومساعديه والكشّافين.. ممكن مدرب يفتكر لقطة بشكل ومساعده يشوفها بشكل تاني وممكن لحظة غضب أو حماس بعد الماتش تأثر على تقييم اللي حصل.
النهارده الوضع اتغيّر تمامًا وبقى في كل نادي كبير تقريبًا واحد وظيفته إنه يفتح الماتش ويرجع كل لقطة وكل تحرك ويقول للمدرب بالأرقام والفيديو إيه اللي حصل.. ده اللي بيتقال عليه “محلل الأداء”.
وظيفته ببساطة إنه يحول ماتش كامل بكل تفاصيله من 90 دقيقة مليانة أحداث لمجموعة معلومات يقدر المدرب يستخدمها في التدريب واختيار اللاعبين والاستعداد للمباراة الجاية.
بدأت إزاي؟
قبل ما التحليل يبقى جزء أساسي من كرة القدم كان المدرب بيعتمد على نظره وخبرته ومساعديه والكشافين.. الطريقة دي كانت طبيعية جدًا لكنها كانت بتعتمد بشكل كبير على الانطباع الشخصي.
المدرب ممكن يفتكر إن الفريق كان سيئ في الشوط التاني لكن لما يرجع للأرقام يكتشف إن المشكلة بدأت من آخر 20 دقيقة في الشوط الأول وممكن يعتقد إن لاعب خسر كرات كتير مثلًا بس الفيديو يوضح إن أغلب خسائره حصلت وهو بيحاول يعمل تمريرات أو تحركات مطلوبة منه.
ومن هنا بدأت فكرة تسجيل كل حاجة بتحصل في الملعب وتحويل المباراة من مجرد مشاهد وذكريات إلى معلومات ممكن الرجوع لها وتحليلها.
المحاسب اللي غير اللعبة
البداية الحقيقية لفكرة تحليل الأداء الحديث ارتبطت بالإنجليزي تشارلز ريب وهو محاسب بالمهنة وضابط في سلاح الجو الملكي البريطاني.. في 18 مارس 1950 كان ريب موجودًا في مدرجات مباراة بين سويندون تاون وبريستول روفرز وخرج قلم ودفتر وبدأ يسجل كل تحرك هجومي وكل استحواذ تقريبًا عشان يحاول يفهم إزاي الأهداف بتتولد من الهجمات.
“ريب” ماوقفش عند مباراة واحدة وعلى مدار العقود التالية حلل أكثر من 2200 مباراة واعتمد في أبحاثه على أكثر من 600 ألف تحرك تمريري في واحدة من أضخم محاولات تسجيل وتحليل مباريات كرة القدم قبل ظهور التكنولوجيا الحديثة.
وقسم الملعب لمناطق وحاول يعرف من أي مناطق بتبدأ الهجمات وإيه نوع التمريرات اللي بتؤدي للفرص والأهداف ووصل لاستنتاجات عملت جدل كبير وقتها أهمها اعتقاده إن الهجمات القصيرة والسريعة واللعب المباشر ممكن يكون أكثر فاعلية من الاحتفاظ بالكرة لفترات طويلة.
وفي دراسة شهيرة حلل ريب أنماط التمرير في 578 مباراة وخرج باستنتاجات عن قصر معظم التحركات الهجومية وهي أفكار أثرت بعدها على مدربين تبنوا بعض مبادئه ومن بينهم جراهام تايلور وديف باسيت.
لكن الراجل كان مثير للجدل لأن استنتاجاته اتعرضت لانتقادات وخصوصًا لما تحولت بعض الأرقام عنده إلى قواعد عامة للعبة ودي نقطة مهمة جدًا لحد النهارده الأرقام لوحدها ممكن تضلل لو اعتمدت عليها من غير سياق.
الاتحاد السوفيتي
في نفس الفترة تقريبًا كانت فكرة التعامل مع كرة القدم باعتبارها منظومة قابلة للقياس بتظهر في الاتحاد السوفيتي خصوصًا مع المدرب الأسطوري فاليري لوبانوفسكي في دينامو كييف.
لوبانوفسكي كان من أوائل المدربين اللي استخدموا الأساليب العلمية والكمبيوترات والتحليل المنهجي لفهم أداء الفريق واللاعبين وكان شايف إن كرة القدم مش مجرد مجموعة لاعبين لكنها نظام كامل بيتحرك ويتفاعل كوحدة واحدة.
وبالتعاون مع عالم الإحصاء أناتولي زيلينتسوف بدأ لوبانوفسكي يتعامل مع الفريق كمنظومة يمكن قياسها وتحليلها واهتم بالحمل البدني والتحركات والمساحات وطريقة تفاعل اللاعبين مع بعض.
وده كان سابق بسنين طويلة لفكرة محلل الأداء بالشكل اللي نعرفه دلوقتي.. لوبانوفسكي كان بيحاول يستخدم العلم عشان يفهم حاجات في الملعب مش ممكن العين لوحدها تفسرها.
التسعينيات والشركات الكبيرة
مع دخول التسعينيات الموضوع بدأ يتحول من اجتهادات فردية لهواة ومدربين إلى صناعة كاملة خصوصًا مع تطور أجهزة الكمبيوتر والفيديو.. في 1996 تأسست “أوبتا” وبدأت تحليل مباريات الدوري الإنجليزي لصالح سكاي سبورتس خلال موسم 1996-1997 قبل ما تتحول لواحدة من أشهر شركات البيانات الرياضية في العالم.
أما “بروزون” فبدأت في ليدز عام 1998 واشتغلت على تقديم أدوات لتحليل الأداء والبيانات قبل ما تنتشر أنظمتها بين الأندية والمدربين وتذكر الشركة نفسها إنها تأسست عام 1998 وبقت شغالة مع مئات الأندية والمنظمات الرياضية حول العالم.
وبقى الفيديو عنصر أساسي في الشغل بدل ما المدرب يحاول يفتكر المباراة يقدر يشوف كل هجمة وكل فقدان للكرة وكل تحرك دفاعي ويوقف اللقطة ويرجعها عشر مرات لو محتاج.
وفي 2013 اتباعت أوبتا لمجموعة بيرفورم مقابل 40 مليون جنيه إسترليني في صفقة كانت دليل واضح على إن البيانات الرياضية مابقتش مجرد أداة مساعدة لكنها تحولت لبيزنس ضخم له قيمة مالية كبيرة.
بيعمل إيه محلل الأداء النهارده؟
بشكل مبسط محلل الأداء شغلته إنه يحول كمية داتا ضخمة لمعلومة بسيطة يفهمها المدرب ويقدر يستخدمها.. أول جزء هو تحليل الماتش والخصم.. المحلل بيراجع مباريات الفريق يحدد نقاط القوة والضعف ويجهز تقرير عن المنافس اللي جاي بيخرج بالكرة إزاي؟ بيضغط منين؟ دفاعه بيتحرك إزاي؟ وبيخلق فرصه منين؟
وأحيانًا التحليل بيكون مطلوب في وقت سريع جدًا خصوصًا بين الشوطين بدل ما المدرب يقول للاعبين “إحنا وحشين” المحلل ممكن يوضح له إن المشكلة مثلًا إن الجناح المنافس بيستغل المساحة ورا الظهير 6 مرات وإن الفريق محتاج يعدل تمركزه.
الجزء التاني هو اختيار اللاعبين.. هنا الأرقام بتدخل في الاستقطاب ومؤشرات زي الأهداف المتوقعة أو ما يعرف بـ”إكس جي” بتساعد الأندية في تقييم اللاعبين بعيدًا عن عدد الأهداف فقط.
يعني لاعب سجل 10 أهداف مش بالضرورة يكون أفضل من لاعب سجل 7 لو اللاعب التاني خلق فرص أخطر وكان معدله في التسجيل أعلى من المتوقع.. والجزء التالت هو الصحة والتدريب.. محللو الأداء بيتعاملوا مع بيانات الحمل البدني والمسافات والسرعات والتحركات عشان الجهاز الفني يعرف إمتى اللاعب محتاج راحة وإمتى ممكن يرفع الحمل التدريبي وده يساعد في تقليل مخاطر الإجهاد والإصابات.
لكن فيه نقطة أهم من كل الأرقام: المحلل الشاطر بيبدأ من سؤال المدرب.. لو المدرب بيسأل: “ليه دفاعنا بيتضرب في العرضيات؟” مينفعش المحلل يرجعله بتقرير 30 صفحة عن المهاجمين.. المطلوب إنه يجاوب السؤال المحدد بمعلومات واضحة يقدر المدرب يحولها لتغيير في الملعب.
الوظيفة بقت تخصصات
زمان كان محلل واحد ممكن يعمل كل حاجة لكن في الأندية الكبيرة الموضوع اتغير.. دلوقتي ممكن تلاقي محلل للخصوم ومحلل للكرات الثابتة ومحلل للأداء الفردي ومحلل للاعبين المعارين ومحلل لشراء اللاعيبة المناسبة مع فلسفة النادي أو المدرب وعالم بيانات وأشخاص متخصصين في الفيديو والتتبع.
يعني النادي الحديث بقى عنده فريق كامل خلف الفريق اللي بنشوفه على الخط وده يوضح قد إيه التحليل بقى جزء من صناعة القرار مش مجرد شخص بيقعد بعد الماتش يشوف الفيديو ويكتب ملاحظات.
رغم كل الكلام عن الذكاء الاصطناعي والنماذج والأرقام المبهرة شغل محلل الأداء مش كله ضغط زرار وتطلع النتيجة.. جزء كبير من الوقت بيروح في جمع البيانات وتنظيفها والتأكد من صحتها قبل حتى ما المحلل يبدأ يبني نموذج أو يستخرج استنتاجًا.
والأهم إن البيانات نفسها مش دايمًا متاحة للجميع.. في يناير 2026 انتهى اتفاق أوبتا مع موقع إف بي ريف ونتيجة لذلك اختفت مجموعة كبيرة من الإحصائيات المتقدمة المجانية التي كان الموقع يوفرها ومنها بيانات مثل الأهداف المتوقعة وبعض مؤشرات التمرير والاستحواذ.
وده بيكشف جانب تاني من القصة البيانات بقت سلعة والشركات اللي بتجمعها وتنظمها وتحللها بقت جزء أساسي من اقتصاد كرة القدم الحديث.
في النهاية محلل الأداء مش بيستبدل المدرب ومش بيلغي خبرته أو إحساسه باللعبة هو ببساطة بيديه عين تانية تشوف حاجات ممكن العين العادية تفوتها.. اللي بدأ في خمسينيات القرن الماضي بمحاسب قاعد في استاد ومعاه قلم ودفتر وصل النهارده لأجهزة كمبيوتر وفيديوهات وبيانات لحظية ونماذج إحصائية وفرق تحليل كاملة داخل الأندية لكن رغم كل التطور ده الفكرة الأساسية لسه زي ما هي.. نفهم إيه اللي حصل عشان نعرف نعمل إيه بعد كده



